أزمة المرور وثقافتنا.

أزمة المرور وثقافتنا….. !

أزمة المرور وثقافتنا.
أزمة المرور وثقافتنا.

بقلم:  هيثم عبد الغني

تعاني القاهرة هذه الأيام من أزمة مرورية خانقة تؤثر على نسيجها المعماري والجمالي, مما يشكل خطراً قد يصل إلى تهديد وجودها بأكمله, فقد أصبح من المسلم به التأثير السلبي الذي تلعبه حركة السير على سلامة الأبنية الأثرية القديمة, وللحق فإن الدولة قامت بتنفيذ العديد من المشاريع لتحقيق السيولة المرورية وأنفقت المليارات, ولا شك أن هذه المشاريع قد ساهمت من التخفيف من حدة الظاهرة ولكنها لم تقضي عليها, فلا نزال نعاني من طول انتظار الوصول إلى إشارة المرور ورؤيتها وليس تخطيها.. فلماذا لم تستطع هذه المشاريع بحجمها الكبير حل أزمة المرور؟!

إن هذا التساؤل يطرح آلاف المرات يوميا من الجميع, بل ونعقد العديد من المؤتمرات ونصدر القوانين ونسن التشريعات لمحاولة التوصل إلى حل لإنهاء الأزمة.

هناك من سلم بالأمر ورضى به, وهناك من أرجع الأزمة إلى أعداد السيارات التي تفوق السعة الاستيعابية لكثير من شوارع المدينة.. إلا أنني أرى أن ثقافتنا المرورية هي المشكلة, وهذا ليس إعفاء للمتسببات الأخرى, خاصة رداءة الطرق وقلة صيانتها وكثرة الحفر والمطبات.

إن ثقافتنا المرورية من وجهة نظري عليها 75% من أسباب المشكلة.. فنجد مثلا جميع قائدي السيارات في عجلة حتى ولو كانت توجهتهم إلى المقهى لشغل وقت فراغهم.. الكثير من قائدي المركبات من العادي أن يقف في منتصف الشارع أو على اليسار منه, أو أن يكون في أقصى اليمين ويقرر الدوران من الملف الموجود في اليسار والعكس, أو أن يترك طابور السيارات الموجود على اليسار للدوران ليصنع صفاً ثانيا وأحياناً ثالثاً بل ورابعاً لكي يصل إلى الملف قبل باقي السيارات الملتزمة بالطابور, قيسد بذلك كل حارات الطريق ويسبب تكدساً كالذي يحدث عند منازل الطريق الدائري مع عرضه الواسع, حيث من المفترض أن الدائري طريق مفتوح وسريع, إلا أننا نفاجأ بتكدس السيارات عند المنازل وسده تماماً, مما يعيق إكمال السيارات التي لن تنزل من هذا المخرج, وأعتقد أن وقوف شرطي المرور عند كل مخرج مثلاً من مخارج الطريق الدائري _على أن يقوم بمنع تكوين أكثر من طابور سيارات_ سيحقق سيولة مرورية لمستخدم الدائري.

ولكي يستطيع شرطي المرور القيام بهذا الدور, لا بد من تكاتف وسائل الإعلام مع وزارة الداخلية لعمل حملة توعية ضخمة كما فعلت الدولة مع قانون المرور الجديد في كل وسائل الإعلام وكما فعلت في التوعية بأهمية الضرائب وعقوبة المتهرب منها, وكذلك لمكافحة وباء أنفلونزا الطيور ومن بعده أنفلونزا الخنازير وذلك كمرحلة أولى, ثم تكون هناك غرامات وعقوبات رادعة لمن يخالف تلك الإرشادات.

ولكن ما هي هذه الإرشادات؟ أولاً.. أنا أرى أنه من الضروري جداً ترك مسافة بين كل سيارة وأخرى تتناسب طرديا مع سرعة المركبة, بحيث تكون المسافة كبيرة بين السيارتين مع السرعات العالية, وكلما قلت السرعة كلما كان من الممكن أن تقل المسافة, ولكن بحد أدنى مترين.

ثانياً.. يجب أن تكون الشوارع مخططة تخطيطاً أرضيا إلى حارات متساوية, وكل حارة تتسع لسيارة ومسافة نص متر على الأقل بين الخط الأبيض والسيارة من الجانبين, فتكون النتيجة أن تصبح المسافة بين كل سيارتين متجاورتين متراً واحداً على الأقل, مع ضرورة الالتزام بهذه الحارات, وأن يدفع كل من يخالف هذا الشرط غرامة مالية.

إذا استطعنا الالتزام بهذا التخطيط فإننا نستطيع أن نقضي على 75% من أزمة المرور, بل والكثير من الحوادث, وبذلك نكون قد استطعنا خلخلة تكدس السيارات وقللنا نسبة حوادث عبور المشاة نتيجة خلق مسافات معروفة ومحددة بين كل سيارة وأخرى من كل جانب, كما ستقل حوادث اصطدام السيارات ببعضها سواء كان بسبب السرعة أو حتى تلك الحوادث التي تحدث في ذروة الزحام نتيجة تلاصق السيارات.

إذ المشكلة في ثقافتنا المرورية التي تجعلنا نملأ شارعاً من المفترض أن به خمس حارات ليستوعب خمس سيارات إلا أننا نجد به من ثماني إلى تسع سيارات في نفس الوقت.. ولهذا فعند تعطل سيارة مثلاً تكون النتيجة هو توقف طابور طويل من السيارات خلفها نتيجة عدم ترك مسافة بين كل سيارة وأخرى, ونظراً لأن السيارات متلاصقة فإنها تأخذ وقتاً مضاعفاً في محاولة يائسة للتحول من النصف حارة التي هي فيها لإلى النصف حارة المجاورة, وهي نظرية عنق الزجاجة.. فالزجاجة إذا حاولت إفراغ محتوياتها فإنها تستغرق وقتاً أطول كلما كانت فوهتها أضيق فتخيل أن جزئيات الماء تحاول الخروج من عنق الزجاجة كما تحاول السيارات الخروج من خلف سيارة تعطلت.. وقارن هذا المثال بمثال آخر لجزئيات ماء تنهال من ((جردل)) ماء (قطر فوهته أكبر أو تساوي قاعدته), فإننا سنجد أن الماء لن يأخذ وقتاً أبداً لسكبه من الجردل ولكن سيأخذ وقتاً أطول بكثير للخروج من فوهة الزجاجة تبعاً لقطر تلك الفوهة.

إن أبعاد مشكلة المرور تتجاوز مشكلة عدد الطرق الذي نسير فيها أو عرضها.. ولا يكفي إضافة وسائل جديدة للنقل لحلها, لأن أي حلول تطرح لا بد أن تأخذ في حسبانها ثقافة الإنسان يستغل الطريق ويتعامل مع الأنظمة والتقنيات.. إننا نريد توعية وثقافة تنعكس على الإنسان سلوكاً وتعاملاً راقياً مع الطريق. كما أن قصور شبكة النقل العام يزيد العبء, مما يضطر الأفراد لاستخدام سياراتهم الخاصة في الذهاب إلى العمل, كما يؤدي إلى ظهور وسائل النقل الجماعي العشوائية, هذا إلى جانب إصدار قرارات متعلقة بسياسات وتنظيمات النقل والمرور من أكثر من جهة وغياب التنسيق وحدوث التضارب. وإذا نظرنا إلى عدد السيارات وسعة الطرق في مصر سنجد أننا أقل بكثير من دولة مثل فرنسا أو بريطانيا.. ففي لندن مثلاً نجد شارع أكسفورد عرضه 30 متراً بينما شارع 26 يوليو عرضه 25 متراً وفي باريس شارع الشانزليزيه عرضه 60 متراً وشارع الحجاز في مصر القديمة 45 متراً, إذا فالفارق ليس كبير ومع ذلك لم نسمع عن أزمة مرورية خانقة كالموجودة عندنا.. وإذا نظرنا إلى شبكة الطرق في مصر _مع احتياجها على السفلته وتزويدها بالعلامات التوضيحية وتكثيف تواجد رجال المرور_ نجد أنها تعد مع ذلك معقولة خصوصاً مع مجهودات الدولة المستمرة في إنشاء المحاور العرضية /كمحور 26 يوليو ومحور صفط اللبن مع اكتمال الطريق الدائري بعرضه الواسع والانتهاء من مراحل كوبري أكتوبر وتوسعته/ لنجد أن المشكلة البارزة دائماً ليست أبداً في عدد الطرق أو عرضها أو عدد السيارات وحالتها وعمرها, ولكن الثقافة المرورية لقائد المركبة.