الطاقة عصب الحياة

الطاقة عصب الحياة
الطاقة عصب الحياة

د. مصطفي عباس معرفي

قسم الفيزياء كلية العلوم جامعة الكويت

تقول الميثولوجيا (الأساطير) الإغريقية إن كبير الآلهة زيزس حنق علي بروميثيوس لإفشائه سر النار للبشر؛ فحكم عليه بالعذاب الأبدي, وقيدة في الأغلال التي مازال يرزح تحتها. كان سخط زيزس نابعاً من علمه أم معرفة البشر بوسائل الحصول علي النار يعني، في نهاية المطاف، تحررهم من ريقته وانتقاء حاجتهم إليه لتوفي حياة أكث يسراً وأمناً علي مستوي الغذاء من ناحية، ومستوي الأمان من غوائل الطبيعة من ناحية أخري. قصة زيوس وبروميثيوس (إله النار)، علي الرغم من أسطوريتها، إلا أنها ذات أهمية ومغزي، وتشير إلي أن اكتشاف الإنسان للنار كان يمثل في جوهرة الخطوة الأولي في تقدم الحضارة البشرية علي جميع المستويات. فالإنسان الأول استخدام النار لطهو طعامه، وتدفئة مسكنه، وتهيئة الأرض للزراعة، وكذلك لصنع الأواني الفخارية وأخيراً، والأهم من كل ذلك في موضوعنا، ابتكاره طرق صهر المعادن من خاماتها، وتصنيع الأدوات المعينة له في حياته. ولا يمكن أن نغفل الأثر البليغ لاكتشاف النار في تكون المجتمعات البشرية وتحول الإنسان من حياة الصيد والبداوة إلي حياة الاستقرار والحضارة.

النار هي الرمز الأول للطاقة، والطاقة بكل صورها هي تعبير آخر من معنى الحياة كما نعرفها. فالأرض توافرت لها ظروف الحياة، بالشكل المألوف لنا نحن البشر، بسبب بعدها المناسب من الشمس التي تفيض طاقتها علينا، وبسب هذا التناغم في شدة الإشعاع الشمسي، والمسافة بين كوكبنا وبين الشمس نستقبل كمية من الطاقة تقدر في المتوسط بحوالي 1.4 كيلوواط لكل متر مربع، وهي الكمية المناسبة لبقاء الماء في حالته السائلة، وهي الدعامة الرئيسية للحياة.

علاوة على ذلك يمثل هذا المعدل من فيض الطاقة الكمية المناسبة لاستغلال التبانات الطاقة الشمسية، وتحويلها عبر عملية التمثيل الضوئي إلى كربويدرات (النشا)، وامتصاص ثاني أكيد الكربون من الجو وإطلاق الأكسجين فيه. لو تغير معدل الطاقة الشمسية التي تستقبلها الأرض، زيادة أو نقصانا، لانعدمت أسس بقاء الحياة؛ فالزيادة المفرطة في كميات ثاني أكسيد الكربون تؤدي إلى ارتفاع لدرجة حرارة الأرض، وانصهار القلنسوتين الجليدتين في القطبين، وبالتالي حدوث فيضانات وكوارث تنهي وجود الأرض.

أما النقصان المفرط فيؤدي إلى تناقص كميات الغذاء الذي تنتجه النباتات، وهي العتبة الأولى في سلم الغذاء. وفي مقابل ذلك تؤدي الزيادة المفرطة في أكسجين الجو، أو النقصان المفرط، إلى اندثار مقومات الحياة على الأرض أيضاً.

منذ اكتشاف الإنسان للنار بدأ تاريخ تطور البشر وتقدم الحضارة الإنسانية, عبر أحقاب وعصور متتالية، تميزت كل فترة فيها باستغلال مصدر ما من مصادر الطاقة، وبناء على المصدر طورت تقانات مناسبة لتيسير حياة البشر وتحسين مستواهم المعيشي.

استغل قدماء المصريين من طاقة الرياح وطوعوها في تطوير النقل النهري، وفي بناء مطاحن الهواء لرفع المياه لري الأراضي الزراعية، وكذلك لدرس الحبوب وطحنها. وظل هذا المصدر هو الوحيد تقريبا، عبر قرون متتالية، الذي وفر للإنسان مقومات حياة مرفهة بمعايير تلك الأزمة.

ثم جاء اكتشاف الإنسان للفحم والغاز الطبيعي، لكن هذين المصدرين بقيا من دون استغلال يليق بهما، حتى ابتكر توماس نيوكومون في نهايات القرون السابع عشر آلة البخار، وتبعة جيمس وات الذي قام بتطوير الآلة البخارية.

وقد مثل هذا الابتكار تاريخيا مفصلياً في تطور علوم وتقانات استغلال الطاقة، ووفر بديلاً جديداً ساهم بشكل غير سبوق في سعي الإنسان إلى تحسين مستوى معيشته وتطوره الحضاري.

تسارعت وتيرة التقدم الصناعي والحضاري في الفترة من 1775 – 1840، وهي الفترة التي يعبر عنها بالثورة الصناعية. لكن نهم المجتمعات البشرية بالعلاقة لم يتوقف عند هذه النقطة، فكان لابد من إيجاد مصادر أخرى ذات كفاءة أعلي في التحويل من صورة إلى أخرى من ناحية، ويتناغم بصورة أكبر مع مستجدات ومتطلبات المجتمعات. وفي العام 1859 وجد البشر الحل في النفط عندما طور إدوين دريك آلة حفر آبار جديدة، تمكن باستخدامها من إنتاج النفط من أول بئر نفطية في العصر الحديث في مدينة تتسفل بولاية بنسلفانيا. لكن استخدام الإنسان للنفط ومشتقاته لم يكن وليد تلك اللحظة أو ذلك القرن، بل يعود إلى حوالي العام 347 ميلادي، عندما حفر الصينيون أول بئر نفطية بعمق يقارب 240 مترا. لكن استعماله اقتصر على حرقة لإنتاج الملح من مياه البحر.

وفى القرن الثامن الميلادي اكتشف العباسيون وجود النفط على أعماق قليلة في منطقة الهلال الخصيب، ونجع الفيلسوف والطبيب والكيميائي الفارسي أبو بكر محمد بن زكريا في استحداث عملية تكسير النفط إلى مشتقاته؛ فأنتج الكيروسين لتوفير الطاقة لنظام إنارة شوارع بغداد لرصفها، كما استخدمت بعض المشتقات في معالجة الحروق والأمراض الجلدية الأخرى. ووصف الرحالة ماركو بولو قيام صناعة نفطية في مدينة باكر في أذربيجان. وببدو أن تاريخ هذه الصناعة يعود إلى القرن التاسع الميلادي. لكن هذه المنجزات كانت في مجملها محلية ومحدودة الأثر على المجتمع الإنسان بعامة.

ولذلك نعتبر نجاح دريك في حفر البئر النفطية محوراً مفصلياً آخر في فصول إشباع تزايد حاجة المجتمعات لاستخدام الطاقة.

إن أسس حضارة اليوم مرتكزة على توافر الطاقة لإدارة منشآتنا وتشغيل وسائل الحياة التي كانت في وقت ما رفاهية وأضحت اليوم ضرورة لا غنى عنها. الأمثلة كثيرة ومتعددة، ويكفي أن نقلب النظر فى أرجاء منازلنا أو مكاتبتا لنعرف بسبب نقص الطاقة المحركة لها.

ولذلك نستطيع التأكيد أن الصراع والحروب بين شعوب الأرض كانت ولا تزال على امتلاك ناصية مصادر الطاقة. نسمع أحياناً أن الحروب القادمة ستكون على مصادر المياه، وهو أمر صحيح، لكن المياه وحدها، دون الطاقة، لن توفر للحضارة المعاصرة عناصر الاستقرار والاستمرارية.

المصدر الرئيسي لجميع أنواع الطاقات على سطح الأرض هو الشمس، وذلك باستثناء الطاقة النووية، فمن طاقة الشمس يصنع النبات الغذاء، وعلى النبات تتغذى الحيوانات العاشبة، وعلى الحيوانات العاشبة تتغذى الحيوانات آكلة اللحوم، ومن النباتات وبقية الكائنات، بعد موتها وطمرها، تتكون على مدى القصور الجيولوجية مصادر الرقود الأحفوري، من فحم بأنواعه وغاز طبيعي ونفط، وبسبب طاقة الشمس تتكون السحب الثقال فترتفع في طبقات الجو قم تنهمر لتسقي الحرث والنسل و تتكون الشلالات، عصب الطاقة المائية. وبسبب الشمس أيضا تنتج الفروق في الضغط الجوي؛ مما يؤدي إلى انتقال كتل الهواء من مناطق الضغط العالي إلى مناطق الضغط المنخفض، مشكلة الرياح والعواصف والأنواء.

والأمر نفسه يسرى على بقية المصادر، من طاقة المياه الجوفية والكتلة الحيوية وغيرهما. وتبقى الطاقة النووية وحدها مستقلة من ناحية مصدرها عن الشمس، فهي نتاج ظاهرة طبيعية أخرى تتعلق بالتركيب النووي لأنوية الذرات والسنن التي تتحكم في استقرارها. لكن المفارقة أن مصدر طاقة الشمس هو الطاقة النووية، إذ تتحكم في استقرارها. لكن المفارقة أن مصدر طاقة الشمس هو الطاقة النووية، إلأ إن درجة الحرارة العالية داخل لبها تؤدي إلى وجود المادة في حلة رابعة تعرف بحالة البلازما.

في هذه الحالة للمعتمدة تسبح الجسيمات الأولية وأنويه العناصر الخفيفة من دون أن تتمكن الحالة للمادة تسبح الجمعيات الأولية وأنويه العناصر الخفيفة من دون أن تتمكن من الالتحام مع بعضها لتكون عناصر أثقل إلا بمرورها عبر سلسلة من التفاعلات النووية الاندماجية.

فقلب الشمس مفاعل اندماجي هائل تتحد فيه انويه العناصر الأخف الهيدروجين لتنتج عناصر أثقل (الهيليوم)، والتي تتحد بدورها لتكون عناصر أثقل فأثقل.

وخلال عمليات الاندماج هذه تنتج طاقة وإلا فالأصح استبدالها بمفردة “كتلة” وخلال عمليات الاندماج هذه تنتج طاقة إشعاعية هائلة نتيجة تحول الكتلة إلى طاقة بحسب مفهوم آينشتاين المشهورة بتكافؤ المادة والطاقة. ومن هذه الطاقة تستقبل الأرض قبساً من الشمس. و وبذلك فقد يكون من الأنسب أن نقول إن المصدر الرئيسي للطاقة في الكون هو الطاقة النووية.

وقد يجنح بنا الخيال قليلاً بركوب آلة الزمن الخيالية والعودة إلى الوراء إلى لحظة خلق كوننا المادي، ونتساءل عن الطاقة التي أشعلت هذا الكون وجوداً. لكنة قد يكون جنوحاً مبالغاً فيه، فنحن كعلماء نتعامل مع المادة ونكتشف أسرار السفن التي تتحكم في سلوكها، ومن ثم نستنبط النتائج المترتبة على ذلك، بينما الخيال الذي امتطينا صهوته يدخل ضمن جدليات ما وراء الطبيعة، أو الغيبيات، وهو مجال لا يدخل في اختصاص العلماء والباحثين.

تتمثل المعضلة التي تواجه حضارة العصر في التنامي الأسى للطلب على الطاقة مقابل محدودية مصادرها وتناقص بعض هذه المصادر بشكل كبير. وتذكرنا المعضلة بالقضية التي طورها روبرت مالتوس في نظريته المعروفة باسمة، والقائمة بأن السكان يتزايدون وفق متوالية هندسية، بينما ينمو الغذاء وفق متوالية حسابية، ويعني ذلك زيادة مفرطة في عدد سكان المعمورة مقابل زيادة متواضعة في مصادر الغذاء. وعلى الرغم من أن مفكرين آخرين بحثوا في مسألة التزايد السكاني وعلاقته بنمو الحضارات، فإن معالجة مالتوس الحركية، بإدخاله عامل الزمن، غير من الرؤى والأفكار السائدة بشكل جذري. نعود إلى معضلة الطاقة، التي نؤكد تنامي الطلب عليها بشكل أسي، أي بوتيرة سريعة جدا مقابل مصادر محدودة، إن لم تكن متناقضة. هذه الصورة ساكنة، ولا تأخذ بعين الاعتبار عوامل مهمة على رأسها التقدم التقاني الذي سيؤدي حتما في نهاية المطاف إلى تطويع مصادر جديدة لم تكن ذات مردود اقتصادي مهم في السابق.

وتدليلاً على ذلك نشير إلى الدراسات الموسعة التي قام بها الجيولوجي الأمريكي كنج هو بيرت وحلل فيها وضع مصادر الطاقة الأحفورية، واستنتج إن ذروة الإنتاج ستكون في السبعينات من القرن نفسه؛ لتصبح هذه المصادر من بعدها غير ذات جدوى اقتصادية. ثم أعاد محاكاة واقع سوق الطاقة في السبعينات من القرن المنصرم ليستنبط تاريخا جديدا لذروة الإنتاج هو العشرينات من القرن الحالي. لكن استنتاجات هو بيرت كلها مبنية على وضع تقاني ومدى سعري قائمين، وبتغير أي من العاملين أو كليهما تتحرك ذروة الإنتاج إلى تواريخ أبعد من ذلك.

تقدم التقانة وتغير دالتي العرض والطلب، علاوة على القوة الشرائية للدولار التقليدية من الوقود الأحفوري. كما أن هذه العوامل تشكل أساس استكشاف المصادر البديلة الأخرى وتطويعها للوفاء بحاجة المجتمعات لإشباع نهمها للطاقة. جراء استخدامنا غير الرشيد لبعض مصادر الطاقة، إن لم يكن كلها. ولعل أول المخاطر هو ظاهرة الاجترار العالمي التي أخذت، خلال السنوات الأخيرة، حيزاً كبيراً من النقاش بين المختصين والساسة بين مؤيد ومعارض.

فالأدلة الإحصائية تشير إلى أن إطلاق البشر لغازات الدفيئة في الجو بالمعدلات الحالية ينذر بكوارث على المستوى العالمي بسبب ارتفاع متوسط درجة حرارة ببضع درجات مئوية والزيادة في معدلات انبعاث غازات الدفيئة ليست إلا نتيجة للنشاطات البشرية المعتمدة على استخدام المصادر التقليدية للطاقة، إضافة إلى المخلفات