دراسة التخطيط للأمان من الحوادث النادرة للطاقة النووية

دراسة التخطيط للأمان من الحوادث النادرة للطاقة النووية

دراسة التخطيط للأمان من الحوادث النادرة للطاقة النووية

سلط الحادث المروع في فوكوشيما الضوء علي جيل جديد من المفاعلات النووية الأمريكية. فهل هذا الجيل مأمن كفاية؟

على مسافة تقدر بنصف المسافة حول الأرض، بعيدا عن محطة الطاقة النووية اليابانية في فوكوشيما التي ضربها الزلزال، يعد مئات العمال الأرض في عمق غابة جورجيا الصنوبرية لنهضة نووية أمريكية يعتقدون أنهد قادمة. فالبلدوزرات تدمدم في غور هضبة من تراب الردم الطازج المرصوص الذي يغطي أميالا من أنابيب ومصارف سيول الأمطار التي جرى طمرها مؤخرا. وإذا بقية الخطط على مسارها، فإنه في وقت ما من عام 2012 سيشرع في إقامة مفاعلين نوويين جديدين على الأرض هما أول مفاعلين وافقت الولايات المتحدة على إنشائهما خلال أكثر من 25 عاما.

وسيكون ذلك بمنزلة طلقة البدء لاستئناف التوسع في الطاقة النووية بالولايات المتحدة، الذي توقف فعليا بعد الانصهار الجزئي في محطة (ثري مايل آيلاند) عام 1979. ومنذ ذلك العين، حول شبح تغير المناخ الطاقة النووية من تهديد للبيئة إلى مصدر محتمل للطاقة خال من الكربون. وقد أحاط كل من الرئيسين (جورج بوش) و (باراك أوباما) هذه التقانة بالرعاية على أمل إيجاد تصميم جديد. وتقوم الآن هيئة التنظيم النووي الأمريكية (NRC) بمراجعة اقتراحات لبناء 20 مفاعلا آخر إضافة إلى مفاعلي جورجيا المذكورين والمائة والأربعة مفاعلات المبنية منذ عقود خلت.

إن أكثر من نصف عدد هذه المفاعلات الجديدة بما فيها وحدتي فوجتل Vogtle في وينسبورو بولاية جورجيا ستكون من طراز AP 1000، وهي الأولى من جيل جديد يعتمد على ميزات الأمان السلبي Passive safety الرامية إلى تجنب وقوع كوارث تماثل تلك التي حدثت في اليابان. فإذا ما وقع حادث يعمد المفاعل إلى قوى طبيعية، مثل قوى الثقالة والتكثف، للمساعدة على حماية وقوده النووي من خطر فرط السخونة وهي ميزات كانت تفتقر إليها مفاعلات محطة فوكوشيما.

وقبل بضعة أشهر مضت بدا أن مفاعلي جورجيا AP 1000 سيربحان رهانا جيدا حول المرحلة الأخيرة من مصادقة الهيئة NRC على إنشائهما في أواخر هذا العام. إلا أن محنة فوكوشيما في الشهر 3/ 2011 التي حدثت فيها هزة أرضية مروعة بلغت قوتها 9.0 درجات على مقياس ريختر وموجة تسونامي هائلة قد تركتا قلوب المفاعلات الساخنة الأربعة من دون سائل تبريد coolant، ولفتتا في المقام الأول أنظار الجمهور إلى التفكير مرة أخرى في احتمال وقوع كارثة نووية. وقد بينت استطلاعات الرأي خلال أسابيع أن نسبة الأمريكيين الذين يؤيدون المفاعلات الجديدة قد انخفضت عما كانت عليه قبل الحادثة من 49 إلى 41 في المائة، وهذا يعكس عدم الثقة في هذه التقانة على الرغم من التأكيدات التي تقول إن المخاطر لا متناهية في الصغر infinitesimal, وان دفاعات المفاعل متينة. وقد أعطى مشهد فوكوشيما المروع درسا مباشرا في حدود تقييم المخاطي.

باختصار

قدمت شركات مرافق الكهرباء اقتراحات لإنشاء 22 مفاعلا أمريكيا جديدا. وتخضع التصاميم للتدقيق مجددا للتأكد ما إن كانت ستصمد أمام الأخطار القصوى.

مواصفات الأمان في التصاميم الجديدة تسهم بدورها خلال الحوادث, حتى عندما ينقطع التيار الكهربائي, ومن دون الحاجة إلي تدخل بشري.

الأسئلة المثارة حول المفاعل المرشح الرئيس, وستنجهاوس AP 1000, يمكن أن تُعقد المصادفة النهائية عليه من قبل هيئة التنظيم النووي الأمريكية.

وحتى لو قاومت التصاميم المتطورة الهزات الأرضية الهائلة والتسوماني, أو صدمة بطائرة, فما زال يتعين علي شركات مرافق الكهرباء الموازنة بين تكلفة التصميم مقابل مكاسب الأمان.

وعلى الرغم من التخطيط، تبقى الطاقة النووية دائما عرضة لأحداث من نوع  البجعة السوداء black swan events وهي أحداث نادرة، ولها عواقب وخيمة – وبخاصة تلك التي لم تقع سابقا قط – يصعب التنبؤ بها، والتخطيط لها باهظ التكاليف ومن السهل إهمالها إحصائيا. وان كان من المفترض ألا يحدث أمر ما إلا مرة كل 10 عام فهذا لا يعني أنه لا يمكن أن يحدث غدا.

وخلال الممر الاعتيادي لمحطة نووية – المقدر بنحو 40 عاما – يمكن أن تتغير الافتراضات أيضا، كما حدث بتاريخ 11/9/2011، أو في الشهر 8/2005 عندما ضرب إعصار كاترينا، أو في الشهرة 3/2011 بعد كارثة فوكوشيما.

إن قائمة التهديدات المحتملة من نوع البجعة السوداء متنوعة الأشكال. فالمفاعلات النووية وبرك وقودها المستهلك تعد أهدافا للإرهابيين من خاطفي الطائرات. وربما تُبنى المفاعلات وراء مصبات السدود والتي إن انفجرت يوما ما يمكن أن تطلق العنان لطوفانات عارمة. وبعض المفاعلات مقامة بالقرب من فوالق زلزالية، أو على شواطئ معرضة لموجات تسونامي، أو لطفرة أمواج الأعاصير. ويمكن أن ينتج من أي من هذه التهديدات سيناريو متناهي الخطورة، مثل تلك التي حدثت في ثري مايل آيلاند وفوكوشيما: الفشل الكارثي لسائل التبريد، والارتفاع المفرط للحرارة، وانصهار قضبان الرقود المشعة، والانبعاث المميت للمواد المشعة. (بينما أدت الانفجارات إلى اشتعال قلب مفاعل تشرنوبيل).

إن الاستعداد لمثل هذه السيناريوهات صعب جدا بحد ذاته حتى من دون الالتزام بميزانية مالية محددة. وقد حاولت شركات مرافق الكهرباء Utility Companies تخفيض التكاليف الضخمة المطلوبة في المراحل الأولى من بناء المفاعلات. وحتى لو بُسَّطت إجراءات الترخيص والتشييد، فما زالت المحطة النووية تكلف – في الوقت الحاضر – نحو ضعفي تكلفة البناء على أساس الميجاوات الواحد مقارنة بمحطة تعمل بالفحم coal plant، ونحو خمسة أمثال التكلفة لمحطة تعمل بالغاز الطبيعي. وهذا الفارق يمكن أن يعوض بتخفيض تكاليف التشغيل. فالفحم أغلى أربع مرات من الوقود النووي، فيحين أن الغاز يكلف  أكثر بعشر مرات. إلا أن هذه الوفورات تتحقق فقط عندما تعمل المحطات النووية بقدرة عالية high capacity ولسنوات عدة. ففي السبعينات والثمانينات من القرن الفائت تبددت مكاسب التشغيل عند توقف المحطات للصيانة ولقضايا الأمان أحيانا. ولكي تكون المحطات النووية منافسة لغيرها قام مسوقوها بمحاولة تقليص تكاليف بنائها وتقليل فتوات توقفها، وتقليل الأنظمة أكثر بساطة ووثوقا، مع عدم تجاوز هوامش الأمان.

وبالطبع، فمن المستحيل بناء مفاعل محصن لا يطاله أي تهديد كائنا ما كان، حتى ولو غلفه المهندسون بجدران ضخمة لاحتوائه, ودفنوه في قبولا يتسرب إليه الماء، وسخروا له جيشا من العرافين للتنبؤ بالمستقبل. لقد حاول المهندسون – دون أدنى شك – أثناء تصميم المفاعل AP 1000 اختيار أحسن السبل عبر القيود المتعددة التي تفرضها الفيزياء والتكلفة المادية والتكلفة للكوارث المحتملة. وما توصلوا إليه، بالضرورة، هو حلول توفيقية. في صحوة فوكوشيما كان السؤال الأول في أذهان الناس: “هل المفاعلات النووية مأمونة بما يكفي؟”

دفاع سلبي لمواجهة كوارث

إن المفاعلات AP 1000 وغيرها من النوع “Gen III+”, التي تخضع لمعاينة الهيئة NRC، قد صممت بناء على تصور كوارث مختلفة عن تلك التي حدثت في اليابان. فالانصهار الجزئي عام 1979 لقلب مفاعل ثري مايل آيلاند، قرب هاريسبرج، بولاية بنسلفانيا، لم يكن ناشئا عن كارثة طبيعية، بل عن خطأ بشري بالدرجة الأولى. وخلال أشهر كان المهندسون يناقشون كيفية تحسين المفاعل وتبسيط ميزات الأمان وإضافة بدائل احتياطية لمياه التبريد، بحيث تعمل تلقائيا من دون تدخل بشري. ونتج من ذلك المفاعلات Gen III+ ومنها المفاعلات AP 1000.

يدور ماء التبريد في داخل المفاعلات AP 1000 عبر نظام مغلق من الأنابيب. فعندما يمر الماء فوق قلب المفاعل يمتص الحرارة من دون أن يتبخر، لأنه واقع تحت ضغط عال. والأنابيب بدورها تُبرَّد بالماء من خزان ثانوي. وإذا انقطع التيار الكهربائي عن المضخات، فهناك بطاريات احتياطية. وإذا فشلت هذه تولت القوى الطبيعية المسؤولية: حيث ينساب الماء إلى المفاعل من ثلاثة خزانات احتياطية محفوظة داخل قبة المفاعل المحاطة في وعاء فولاذي فوق قلب الفاعل.

إن انقطاع التيار الكهربائي يؤدي إلى فتح الصمامات: فيؤدي اختلاف الحرارة والضغط بين قلب المفاعل والخزانات إلى تحريك ماء خزان التبريد إلى داخل وعاء المفاعل النووي لتبريد قضبان الوقود. وإذا لزم الأمر، فإن الماء الموجود في خزان ماء ضخم رابع في سقف الدرع الإسمنتية الخارجية للمفاعل يمكن أن تصب مباشرة على سطح القبة الخارجي، مبددا الحرارة بغليانه وتحوله إلى بخار. وفي داخل القبة، يصطدم البخار الصاعد من قلب المفاعل بالسقف المبرد فيتكثف ويتساقط عائدا إلى قلب المفاعل. ويحوي هذا الخزان الرابع ما مقداره 795000 جالون من الماء، وهو ما يكفي للعمل من دون توقف لمدة ثلاثة أيام. ويمكن إعادة ملء الخزان بخرطوم ماء، على حد قول H). بروشي المدير الرئيسي السابق في شركة وستنجهاوس Westinghouse. وتسهم فتحات التهوية في مبنى المفاعل أيضا في إدخال الهواء الخارجي، مما يساعد على تبريد وعاء الاحتواء الفولاذي.

= إن ميزات هذه البدائل الاحتياطية التي تجعل المفاعلات AP 1000 أفضل من المفاعلات القديمة تعود إلى أنها لا تتطلب التيار الكهربائي أو التدخل البشري. ويحاجج أنصار الطاقة النووية في أن انقطاع التيار عن المحطة station blackout الذي ضرب فوكوشيما – أي انقطاع تيار الكهرباء عن الشبكة العامة، وأيضا عن المولدات الاحتياطية في الموقع، وهو ما أوقف كل مضخات التبريد – كان يمكن أن يكون أقل خطرا لو كانت تلك التجهيزات موجودة في المحطة. وحتى لو عملت هذه الاحتياطات لبضعة أيام فقط لأتاح ذلك لمشغلي المحطة الوقت الكافي لإعادة التيار الكهربائي إليها.

إن قدرة هذه الأنظمة على حماية قلب المفاعل من الانصهار وتسرب الإشعاعات إلى الجو من عامه ما تزال مسألة جدلية. فأنصار التصاميم Gen III+ يدعون أنها آمنة على الأقل عشر مرات من المفاعلات على مستوى الوطن والبالغ عدد ها 104 مفاعلات عاملة. في حين أن هناك مهندسين آخرين أكثر تحفظا. إن ˃ حسين خليل ˂ مدير دائرة الهندسة النووية في مختبر أرجون الوطني لن يذهب بالقول إلى أبعد من أنه: “من العدل القول إن المحطات Gen III+ قد بلغت – من خلال الوسائل الطبيعية – درجة عالية من الأمان توازي التحسينات التي أضيفت إلى المحطات القائمة”.

ولا يرغب الناقد الصناعي .E˃ لايمان ˂ حتى مجرد الاعتراف بذلك، وهو عالم مرموق في اتحاد العلماء المهتمين (UCS). فقد تحدى ˃لايمان ˂ خيارات معينة من تصميم موفر للتكلفة لكل من مفاعل وستنجهاوس AP 1000 ومفاعل جنرال إلكتريك ESBWR (تصميم جديد آخر). وعلى وأمر اهتمامات ˃ لايمان ˂ قوة وعاء الاحتواء الفولاذي وبناء الدرع الإسمنتية حول المفاعل AP 1000. فعندما حقن المهندسون الماء في حاوية مفاعل فوكوشيما لتبريد القضبان المكشوفة، ظلوا يراقبون بقلق الضغط الناجم عن البخار واحتمال انفجار الهدروجين.

ويقول ˃ لايمان ˂ إنه ليس لوعاء احتواء المفاعل AP 1000 هوامش أمان كافية. وأحد المقاييس التي يستعملها ˃ لايمان ˂ لقياس سعة حاوية مفاعل ومن ثم تحديد قابليته للثبات أمام ارتفاع الضغط هو نسبة طاقة المفاعل الحرارية إلى حجم حاويته. وفي حالة مفاعل وستنجهاوس AP 600  – وهو مفاعل سابق جرى إيقافه