د. محمد قيصرون ميرزا

أستاذ مشارك في الفيزياء النووية التجريبية جامعة البحرين

ويتألف كل عنصر من ذرات متماثلة, كذرات الألمونيوم أو الرصاص أو الهيليوم وغيرها, كما تتألف كل ذرة من نواة كبيرة وثقيلة نسبيا يدور حولها عدد من الإلكترو

ذرات متماثلة
ذرات متماثلة

نات الخفيفة. أما النواة فتحتوي بدورها جسيمات نووية تسمى نويات تنقسم إلى نوعين: هي البروتونات والنيوترونات. والإلكترون جسيم صغير سالب الشحنة, أما البروتون فأكبر منه بحوالي ألفين مرة وموجب الشحنة, بينما النيوترون فله كتلة البروتون نفسها، لكنة معتدل غير مشحون.

وتدور الإلكترونات سالية الشحنة حول النواة الموجبة يفعل قوى التجاذب الكهربائي، بينما تتماسك النويات داخل النواة بعضها مع بعض يفعل قوى نووية وكهربائية قوية تبقيها على حالها. وتختلف النوى عن بعضها, فهناك نوى مستقرة لا تتغير ولا تتبدل مع مرور الزمن، كالهيدروجين والأكسجين والنيتروجين والكوبون, أي مكونات الهواء الذي نستنشقه, وهذه ميزة كبيرة, وإلا لما بقين حياة على الأرض. والعديد والنحاس والألمونيوم وغيرها, التي قامت الحضارات الإنسانية عليها وبها نبني ونسافر ونتواصل.

وهناك نوى غير مستقرة إذ تولد نتيجة عوامل مختلفة كتحلل نوى أخرى، أو الانفجارات التي تحصل في النجوم ء أو في المفاعلات النووية الأرضية, لكنها لا تبقى على حالها؛ إذ تطلق أجساماً أو إشعاعات مختلفة, نسميها إشعاعات نووية لتتحول إلى حالة أخرى أو عنصر آخر.

وتسمى هذه العملية بالتحلل النووي، كما يمكن أن تنقسم النواة إلى جزأين في حادثة تدعى الانشطار النووي، أو يمكن لنواتين أن تندمجا، كل منهما مع الأخرى، لتشكيل نواة جديدة أكبر منهما فيما يسمي الاندماج النووي.

وتلخص هذه العمليات الثلاث (التحلل والانشطار والاندماج) كل ما نبتغيه من دراسة الطاقة النووية ففي التحلل النووي تصدر النواة جسيمات وأشعة ء نمسيها بمجملها إشعاعات نووية, تصنف إلى ثلاثة أنواع, هي ألف وبيتا وجاما. فجسيمات ألف عبارة عن نوى غاز الهيليوم, وتحري بروتونين ينيوترونين وهي مشحونة إيجابيا ولها كتلة تعادل 8 آلاف من كتلة الإلكترون تقريبا. وتعتبر هذه الجمعيات ثقيلة بالمفهوم الذري, كما تمتص خلال مسافات صغيرة جدا في الهواء والأجسام الأخرى.

أما جسيمات بيتا فلها نفس كتلة الإلكترون الذي يسري في التيارات الكهربائية وبشحنها مماثلة، لكن يمكن أن تكون موجبة أو سالبة, ولذا يطلق عليها اسما بيتا الموجبة وبيتا السالبة. ولا تختلف هذه الجسيمات عن الإلكترونات, ولذا تختفي في الهواء والمواد بسرعة, وتأثيرها محدود في الإنسان ما لم يتعرض لكميات كبيرة منها ذات طاقة عالية ولفترات زمنية طويلة. وأخيرا جاما, وهي أشعة كهرومغناطيسية, كالضوء المرئي, لكن بطاقة عالية جداً, لذلك تعتبر من أخطر الإشعاعات النووية لأنها تنتشر في الهواء لمسافات طويلة نسبيا، كما تستطيع اختراق معظم المواد باستثناء الثقيلة جدا كالرصاص، حلاف الضوء العادي الذي لا يمر من أغلب الأجسام.

وأما الانشطار النووي فيحصل لبعض العناصر التي تكون بحالة غير مستقرة, لدرجة أن أي تغير في التركيب الداخلي لنواتها يؤدي إلى انقسامها إلى جزأين, وانطلاق جسيمات نووية صغيرة وأشعة جاما. ومن أشهر العناصر التي تنشطر اليورانيوم والبلوتونيوم. بينما يؤدي الاندماج النووي إلى انصهار نواتي عنصرين كل متهما في الأخرى، لتشكيل نواة جديدة أكبر منهما, مع تحرر بعض الطاقة. والعناصر الخفيفة مرشحة للاندماج أكثر من النوى الثقيلة, ومن اشهرها الهيدروجين الثقيل.

الطاقة النووية لعل الانطباع المؤثر الذي يسيطر على مخيلة أي شخص, عندما يسمع كلمة طاقة نووية, هو صور انفجار القنابل الذرية التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين؛ فأبادت الآلاف في لحظات, أو الذعر الذي أصاب العالم عام 1986 عندما أنصهر لب بفاعل تشير نوبل في الاتحاد السوفييتي سابقا, فأدى إلى تلوث إشعاعي كبير في المنطقة المحيطة به, ومصرع كثير من الناس بشكل مباشر وغير مباشر.

أو عندما ضرب زلزال قوي اليابان عام  2011؛ فسبب دماراً وتصدعاً كبيرا في مفاعل فوكوشيما، ونشر إشعاعات خطيرة لمسافات كبيرة. لذا صارت الطاقة النووية مرتبطة لا شعوريا بمفهوم التدمير والتلوث والأمراض الخطيرة وغيرها. غير أن هذا الانطباع لا يعكس الصورة الحقيقة الكاملة للطاقة النووية, إذ استطاع الإنسان تسخيرها جزئيا لما فيه غير البشرية وطورها في مجالات متعددة غير فتاكة بالضرورة. ونورد فيما يلي بعض التطبيقات السليمة والعسكرية للطاقة النووية؛ حتى يتعرف القارئ على أهمية و تأثير هذه الثروة الكامنة في النواة التي إن أحسن استغلا لها كانت نعمة, وإن أسئ استخدامها صارت نقمة.

تستخدم الطاقة النووية في مجالات سلمية متعددة, كتوليد الطاقة الكهربائية والعلب والزراعة ودراسة الآثار وعلوم الفضاء, وغيرها. ولاشك في أن الاستخدام الأمد حاليا هو توليد الطاقة الكهربائية الذي يعتمد على ظاهرتي الانشطار والاندماج النورين, ويصل إلى حوالي 16% من الاستهلاك الكهربائي السنوي في العالم, وهذا ما نفرد له الحصة الأوفر من هذه الفقرة لاحقا، لكننا نبدأ باستعراض بعض التطبيقات العملية الأخرى المهمة التي تستخدم فيها الإشعاعات النووية, مثل ألفا وبيتا وجاما, الصادرة عن بعض العناصر المشعة, بحيث تؤثر في ذرات ومركبات المواد الحيوية في الإنسان والحيوان والنبات؛ فتعدل من تركيبها أو تكاثرها أو نموها بطرق حميدة تحافظ على سلامة الخلايا، ولا تؤدي إلى أي نتائج سلبية غير مرغوبة, ما أمكن.