وأنا أول المتبرعين

وأنا أول المتبرعين
وأنا أول المتبرعين

بقلم: رئيس التحرير هيثم عبد الغني

عندما كان السلطان قطز يعد العدة لمحاربة التتار. واجه صعوبات مالية في تجهيز الجيش المصري. وعندها طلب من الإمام الشيخ العز بن عبد السلام إعطاءه فتوى تجيز جمع ضريبة مؤقتة (كتبرع) من الشعب للمساعدة في تجهيز الجيش. فما كان من الشيخ إلا أن رد قائلا (لا يجوز هذا حتى تنفق أنت وأمراؤك من أموالكم التي تفيض عن حوائجكم الأساسية، فإن لم تكف جاز ساعتها طلب الأموال (رد قوي. عقلاني. مقنع. إسلامي. لا يخشى في الحق لومة لائم، ونحن الآن في مصر مرة أخرى. ولكن اختلف السلطان قطز. واختلف العز بن عبد السلام).

والآن أحد الشيوخ يريد جمع مليار وخمسين مليون دولار ليحصل الجيش عن مليار وثلاثمائة مليون وهي قيمة المعونة العسكرية والباقي وهو مائتان وخمسين مليون معونة اقتصادية نحصل عليها نحن كشعب مصر. وبدلا من أن نسترد أموالنا وثروتنا التي نهبت نتبرع باجر يوم!!

المفارقة أن القوات المسلحة أعلنت منذ أسابيع أنها سوف تقرض الحكومة مليار دولار. وطبعا الناس نسيت ذلك، والآن يجمعون المال، مع العلم أن المعونة لم تقطع، بل ولن تقطع لارتباطها بمعاهدة السلام ورغم أموال النظام السابق المخبأة في بنوك العالم. والتي لم تتقدم مصر حتى الآن بطلب رسمي لاستعادتها. ورغم أموال الصناديق الخاصة التي تقدر بمليارات الجنيهات. ورغم اكتشاف منجم السكري والذي يعد من أكبر مناجم الذهب في أفريقيا ولم نسمع إلى الآن عن ضم عائداته لميزانية الدولة أو حتى خطة مستقبلية لذلك وبرغم قناة السويس ودخلها اليومي الضخم الذي لا نعرف تحديدا كيف وأين يتم استغلاله فإن الحل يكون هو استقطاع أجر يوم من قوت هذا الشعب الذي يأكل بعض أفراده من القمامة وتجاوز أكثر من 40% من أبنائه معدلات الفقر العالمية. حسب آخر تقارير اليونسكو. هذا الشعب الذي كثرت وقفاته الاحتجاجية اعتراضا منه على ضعف دخله وطلباته المستمرة والمتتالية بإصلاح الجور ووضع حد أدنى، أو بلاش حد أدنى على الأقل حد أقصى يوفر الملايين للدولة. لكن الحل الأسهل هو الأخذ من الغلبان الشهم، وكيف لهذا الغلبان أن يتأخر عن بلده -الذي تربى فيه وشرب من نيله -عندما يحتاجه. ثم كيف تقاطع معونة الأمريكان ومعظم تسليحنا ومعداتنا من صنع الولايات المتحدة؟ بل إنها تستطيع التحكم في أسلحتها عن بعد. فأمريكا تزودنا بالسلاح الذي صنعته وتعرف تفاصيله، بل وكامل تفاصيل تسليحنا وكل شيء عنا وعن أي شيء تريده بالأقمار الصناعية في المقابل نجد الرئيس التونسي منصف المرزوقي وقد باع طائرة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي ب 261 مليون دولار ونحن هنا في مصر مازلنا (نفسح) مبارك بالطائرات ذهابا وعودة مع كل جلسة محاكمة، ولكي نضع مبارك في السجن نجهزه له بخمسة ملايين جنيه. وكيف نطالب الغلبان باستقطاع قوت يومه وفي المقابل يرى أن الدولة تهدر أموالا لنقل مبارك من مقر محبسه في المركز الطبي العالمي إلى مقر المحاكمة 33 ألف دولار المرة الواحدة تتحملها القوات المسلحة التي تأخذ ميزانيتها من ميزانية الدولة؟ والمشكلة كما أكدها الدكتور محمد محسوب الأمين العام للجنة استرداد أموال مصر المنهوبة، إن هناك رسالة وصلت لدول العالم بأنه لا توجد نية حقيقية ممن يدير المرحلة الانتقالية في مصر لاستعادة أموالنا بالخارج، خشية أن يقود فتح الملف إلى إصابته بضرر. وقال أن المجتمع المدني يقدر هذه الأموال ب 200 إلى 220 مليار دولار خرجت خلال العقدين الماضيين، المبلغ الذي قد يساعد على نهضة مصر خلال خمس سنوات دون الاعتماد على القروض الدولية ونفى أن تكون هناك علاقة بين محاكمات رموز النظام السابق واستعادة الأموال، التي نجحت دولة مثل ليبيا في الحصول عليها دون محاكمة نظامها القديم، ولكن تراخي النظام القائم في القيام بمهمته والهم المضحك هو أن مصادر غربية أبدت استعدادها لمساعدة مصر في عملية استرداد بعض هذه الموال حتى قبل أن يسقط مبارك بأيام، ومنها بنك باركليز والنائب العام السويسري الذي خاطب النشطاء السياسيين في ميدان التحرير بأحقيتهم في التقدم بطلب لتجميد أموال مبارك، إلا أن عدم جدية الإدارة السياسية في عملية استرداد الأموال من الخارج يقف حائلا دون الوصول لنتيجة، ومن أمثلة عدم جدية لجنة استرداد الأموال إرسالها بيانات ناقصة للاستعلام عن أموال مبارك ونجليه وعدد من رجاله، كأن يرسل الاسم ثنائيا وغير مصحوب بصورة من جواز السفر. وكنت أتمنى أن يفعل كل مسئول في مؤسسة حكومية -يتقاضى راتبا وبرنامج مكافآت وميزانية وغيره. من أموال الدولة التي تم جمعها من الشعب عن طريق الضرائب وغيرها، أن يتبرع بكل ما يزيد عن حاجته، لأن المفترض أن هذه المناصب الحكومية تكليف لا تشريف، ولا ينبغي أن تكون موردا لجمع المال، ولنا في ما فعله الدكتور أحمد الطيب أسوة حسنة عندما أعلن تبرعه براتبه منذ توليه منصب شيخ الأزهر في مارس من العام الماضي إلى وزارة المالية دعما منه للاقتصاد المصري، كما طالب وزير المالية بوقف راتبه طوال فترة وجوده في منصبه كشيخ الأزهر.