التمويل متناهي الصغر والطاقة المتجددة

 

التمويل متناهي الصغر والطاقة المتجددة

التمويل متناهي الصغر والطاقة المتجددة

د.م. محمد مصطفي الخياط

رئيس قطاع الشئون الفنية بوزارة الكهرباء

” هناك احتياج دائم لتدبير مصادر تمويل تفي بمساندة الجهود الواهية لتحقيق استدامة قطاع الطاقة, ومن ثم تبحث الدول عن آليات استثمار لجذب القطاع الخاص وتهيئة المناخ الملائم له من خلال إتاحة فرص استثمار متنوعة ذات مخاطر محدودة، بهدف الاستثمار في المشروعات الكبيرة والصغيرة, من هنا يأتي التمويل متناهي الصغر كآلية تسمح بنشر الطاقة المتجددة.

وقد عرفت مصر التمويل متناهي الصغر منذ الخمسينيات من القرن الحاضر من خلال بنوك مملوكة للدولة مثل بنك التنمية والائتمان الزراعي، تلاه إنشاء بنك ناصر اللذان مازالا يؤديان دورهما إلي جانب الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي أنشئ عام 2004 لاستيعاب مردود العولمة ومواجهة البطالة, إلى جانب خفض معدلات الفقر. الأمر الذي يدعونا لاستنباط أنماط تمويل ابتكاريه تمكننا من تأمين مصادر الطاقة والاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة يقينا أن القادر على إنتاج الأفكار وحل مشكلة الطاقة هو من سيمتلك القرن من الحادي والعشرين.

يحظى التمويل متناهي الصغر بعدة مرادفات منها التمويل الأصغر والتمويل الصغير، إلى جانب ذلك يختلف الاستثمار في مشروعاته عن نظيرتها الكبيرة من حيث القطاعات المستهدفة والعملاء المحتملين، فالمشروعات الكبيرة تعتمد على ضخ الطاقة المنتجة إلى الشبكة لتصل عبرها إلى نقاط الاستهلاك مقابل رسوم متفق عليها وأيضا ضرورة استصدار تراخيص للتجارة في إنتاج ونقل وبيع الطاقة، أما المشروعات متناهية الصغر فتخدم أحمال صغيرة كالمنازل والمحال التجارية الصغيرة والمتوسطة وأيضا دورا لعبادة تتلاصق فيها وحدات الإنتاج – مثل توربينات الرياح الصغيرة، وألواح الخلايا الشمسية، والسخانات الشمسية للمياه – مع الأحمال كالثلاجات ولمبات الإضاءة والمراوح وغيرها.

في الجهة المقابلة، تنظر الدراسات الاقتصادية إلى المصادر المتجددة على أنها مورد ذو تكلفة مرتفعة يصعب على أسواق الدول النامية تحملها، وذلك نظرا لما تحظى به بدائل الوقود التقليدية كالغاز الطبيعي والمازوت من دعم مادي يغيب عن نظيرتها المتجددة، ليصبح لدينا معادلة غير متزنة. ومع هذا فالنظم المتجددة قادرة على تأمين مصادر الطاقة، ومن ثم تقليل الفجوة بين الطلب والإنتاج، والثاني إحداث نقلة نوعية فى الاقتصاد الوطني جراء توطين صناعة نظمها وإتاحتها للأسواق سواء الداخلية أو الخارجية. من هذا المنطلق، تبدو نظم الطاقة المتجددة الصغيرة كآلية قادرة على تلبية جانب من الطلب، يسهل توزيعها على نقاط الاستهلاك المنتشرة في كل بقعة، فوق أسطح المنازل، وعلى واجهات المحلات، وعلى أعمدة الإنارة.

تتنوع آليات تطبيق التمويل متناهي الصغر، فهناك نمط فصل التمويل عن التركيب، بمعنى أن يحصل المستهلك على القرض من البنك على أن يختار هو بين شركات الطاقة المتجددة أيها أنسب له، هذا بخلاف نمط الكل فى واحد ” بمعنى أن يتقدم المستهلك بطلب تركيب نظم طاقة متجددة (خلايا شمسية، توربينات رياح صغيرة، كتلة إحيائية، سخان شمسي) إلى مكتب خدمات الطاقة المتجددة الذى يتولى بدوره التنسيق بين كافة الأطراف, وفى كلتا الحالتين عادة ما يتم تحصيل أقساط القرض مع الفاتورة الشهرية للكهرباء.

ومن التجارب العملية فى هذا المجال، ما قامت به المملكة المغربية من خلال خططها الخمسية بنشر ألواح الخلايا الشمسية فى المناطق الريفية, لتحظى المبادرة بالقبول لدى قطاعات المواطنين حرموا من الكهرباء فكانت هذه الآلية الشمعة التى أضاءت لهم الظلام، وأغنتهم عن البحث عن وقود الديزل ونقله عبر مسافات طويلة، وتكبد معاناة تغير أسعاره ارتفاعا وهبوطا على حساب احتياجاتهم الأساسية، فقد أحس المواطنون نعمة الكهرباء النظيفة، وتوفير الوقت والجهد لصالح أعمال أخرى يمكن أن تدر دخلا إضافيا للأسرة أو على الأقل قضاءه فى الأمور الاجتماعية، هذا على الرغم من تدنى القدرات المركبة والتي كانت أقل من 500 وات، أي أنها بالكاد سمحت لهؤلاء البسطاء بالإضاءة لا غير. أيضا لبنان، التى خصصت فى عام 2013 قرض بقيمة 160 مليون دولار لمساندة نشر تكنولوجيات الخلايا الفوتوفلطية من خلال المبادرة الوطنية للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، تقدم فى شكل قروض بدون فوائد مع فترة سداد تتراوح من 5 إلى 14 سنة، ونظرا للإقبال الكبير على هذه المبادرة واستشعار المواطن بخفض فاتورة الطاقة بنحو 30 %، تسعى الحكومة حاليا لمضاعفة قيمة القرض المخصص لعام  2014.

وتشير التجارب العملية فى البلدان المختلفة إلى ضرورة ألا تقل هذه القدرات عن 2000 وات (2 كيلوات) بحيث تسمح للمستهلكين بشيء من سعة في الإضاءة، وتشغيل التليفزيون، وأكثر من مروحة تكفي لتبديد حر الصيف. أخذا فى الاعتبار ضرورة الموائمة بين محدودية المساحات المتاحة للتركيب أعلى الأسطح وعدد المستفيدين فى المباني المتعددة الطوابق.

من هنا يتحدد الدور المرتقب للحكومات فى وضع أطر عامة لتشريعات استخدام مصادر الطاقة وتنظيم أسواقها وضمان شفافية الإجراءات مع إقرار هيكل أسعار متزن يكفل تحقيق عوائد جاذبة للمستشرين تضع في الاعتبار التكاليف غير المباشرة المترتبة على استخدام تقنية ما لإنتاج الطاقة, تاركة الأسواق تعمل على تعظيم نواحي الكفاءة، فالأفكار الجيدة والابتكارات المهمة والعظيمة التي أدت إلى تغيرات اجتماعية سريعة فى وقت قصير إنما نجحت بفضل مساندة الدولة.

من ثم، يكفل العمل على تحقيق نمو سنوي يتراوح من 20 – 30% للتمويل متناهي الصغر في مجال الطاقة المتجددة إحداث طفرة فى التصنيع المحلى شرط توافر الحوافز الواضحة والجاذبة لكافة أطراف المنظومة إننا في حاجة إلى إحداث توازنات بين التشريعات برامج العمل وأدوات سوق الطاقة فالأسواق شديدة الحساسية تجاه التشريعات المبهمة، حيث يبحث المستثمرون عن أسواق مستقرة يستطيعون تحقيق النجاح فيها لسنوات عدة فتنخفض مخاطر الاستثمار.

إن تبنى آلية التمويل هي الصغر لمشروعات الطاقة المتجددة يندرج تحت عنوان ” اخدم نفسك بنفسك شريطة وضع معايير متساوية للمقارنة بين أسعار إنتاج الكهرباء من المصادر المختلفة لن كتب لهذه الآلية أو غيرها النجاح، حتى وان كان البديل هو الظلام. !!.