الطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون الخليجي المصادر، الإمكانات، والآفاق

قراءة في كتاب:

في أحدث إصدار لها تناولت إيمان الجريدي، الكاتبة المتخصصة في شؤون الطاقة, الدور المحتمل لمصادر الطاقة المتجددة في تركيبة الطاقة المستقبلية لدول مجلس التعاون الخليجي في كتاب “الطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون الخليجي المصادر بالإمكانات والتحليل المتعمقين أهم المبادرات والسياسات الخليجية القديمة والقائمة في مجال الطاقة المتجددة، مع إلقاء الضوء علي القدرات الصناعية والبحثية التي تتمتع بها المنطقة في هذا المجال، وذ

الطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون
الطاقة المتجددة في دول مجلس التعاون

لك مع إيلاء اهتمام خاص لتقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

يتناول هذا الكتاب أيضاً دراسة الدوافع والمتطلبات لنشر استخدام هذه المصادر وإدماجها المحتمل في قطاعات مختلفة، كقطاعات توليد الكهرباء أو تحلية المياه أو المباني الخضراء.

أوضح الكتاب أن اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي تعتمد على تصدير الهيدروكربونات لكن استهلاكها المحلي من هذه الموارد الطبيعية في ازدياد مضطرا. ومع أن دول المجلس لا تزال من أهم منتجي النفط والغاز الطبيعي في العالم، إلا أن نموها الاقتصادي والاجتماعي المتصارع الذي يمتاز بتزايد عدد السكان و نمو المدن بوتيرة عالية و التصنيع الضخم ه يجعلها أيضا من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم.

فالطلب على الكهرباء في دول المجلس مرتفع للغاية حيث تضاعف تقريبا خلال العقد الماضي و سيواصل النمو في المستقبل المنظور، بمعدلات سنوية مرتفعة تتراوح من سبعة إلى ثمانية في المائة. و في الحقيقة، تتطلب الكتلة السكانية الخليجية المتنامية كميات متزايدة من الطاقة لتلبية احتياجاتها الأساسية: تكييف المنازل و مياه الشرب التي يتم توفير معظمها عبر تحلية مياه البحر التي تستهلك الطاقة بصورة مكثفة.

و بطبيعة الحال، يفرض هذا النمو المتسارع في الطلب على الطاقة ضغوطاً متزايدة على موارد دول المجلس من الهيدروكربونات. و يشير النقص المرتقب في هذه الموارد، و المصحوب بعدم استخدامها بمردودية عالية أو بآثار بيئية مدمرة، يشير إي أن الاستمرار في الاعتماد الكبير على النفط و الغاز ليس بالحل المستدام. و بما أن المنطقة توفر كل الطاقة التي تستهلكها تقريبا عبر حرق الوقود الأحفوري، فإنه ينبغي على أي بديل تقت ر دول المجلس اعتماده أ ن يشجع الحلول القانعة على استخدام مصادرة الطاقة النظيفة و المتجددة لضمان استمرارية نموها مع الحفاظ على البينة. و ينطوي هذا البديل حتما على ترشيد استخدام الطاقة الهيدروكربونية و الانتقال التدريجي، في المدى المتوسط إلى البعيد، إلى نظام للقدرة.

و تناول الكتاب دراسة الدوافع و المتطلبات لنش استخدام هذه المصادر و إدماجها المحتمل في قطاعات ختتلفة، كقطاعات توليد الكهرباء أو تحلية المياه أو المباني الخضراء. و هدفت الدراسة التي اعتمد عليها الكتاب، التي تزفر بالعديد من الحالات و الدراسات العملية و تصبو من خلال ذلك أن تكون مرجعا قيماً، تهدف إلى مساعدة الباحثين في تكوين فهم شامل لقدرات و إنجازات دول المجلس في مجال الطاقة المتجددة، متا من شأنه أن يعطي رؤى موضوعية حول القضايا الإستراتيجية للمنطقة في مجال الطاقة و يشجع على بلورة نماذج مستدامة.

أسلوبه المبسط ينقي أنه تقديمه معلومات مفصلة و(تقنية) بامتياز، الأمر الذي يسهل على الباحثين تكوين فهم دقيق حول اختلاف المجالات التي يتناولها الكتاب؛ بما فيها المجالات التي لا تتعلق باختصاصاتهم. و بفضل مقاربته المتعددة الاختصاصات، يعكس هذا الكتاب فتخلف التوجهات المتعلقة بموضوعاته من دون تحيز أو أحكام، تاركاً للقارئ أو القارئة حرية تكوين رأيه أو رأيها حول التحديات القائمة، و إمكانية تصور سُبل معالجة الوضع الراهن.

وبالرغم من شيوع النظر إلى دول المجلس كمنطقة متجانسة، إلا أن خصوصياتها المتعلقة بقضايا الطاقة المتجددة تستحق اهتماماً خاصاً.

لذا، سيلاحظ القارئ أنه قد تم تخصيص فصل مستقل لكل واحدة من هذه الدول الست. و مع أن المؤلف تطرق إلى الموضوعات العامة و المتشابهة في دول المجس، إلا أن طبيعة التحديات و الفرص قد تختلف من دولة خليجية إلى أخرى.

و يناقش كل فصل من فصول الكتاب مجمل القضايا المتعلقة بأمن الطاقة و شح المياه و انبعاثات ثاني أكسيد الكربون و البحث و التطوير، كما يناقش الدراسات ذات العلاقة و سبل نشر تقنيات الطاقة المتجددة محليا، و ذلك بهدف إبراز مصادر الطاقة المتجددة و إمكاناتها و آفاق تطوير تقنياتها في الدولة التي يتناولها الفصل المخصص لها و تساعد هذه المقاربة أيضا في إبراز تكاملية ومحدوديات مصادر المنطقة، كما تظهر ما إذا كان من المجدي أو المطلوب، دمج أي تجارب إقليمية أو عالمية في كل واحدة من دول المجلس. على مستوى المنطقة، تعلمي الخصائص المشتركة لدول المجلس الست، كما سبقت الإدارة، نمواً اقتصاديا متسارعاً و متشابهاً، بالإضافة إلى حقيقة أن هذه الدول الست تعتمد بشكل رئيسي على النفط و الغاز في توليد الطاقة الكهربائية.

و إلى جانب الضغط المتزايد على احتياطياتها من موارد الطاقة الأحفورية، يؤدي نمو الطلب على الكهرباء إلى تزايد انبعاث ثاني أكسيد الكربون، الأمر الذي يفاقم البصمة الكربونية القياسية المرتفعة لبعض دول المنطقة. و في الواقع، تبين أن توليد الكهرباء و الحرارة (الذي يغطي بشكل أساسي قطاعي الكهرباء وتحلية مياه البحر) هو أكبر مصدر أحادي للانبعاثات الكربونية في المنطقة، حيث كان مسئولا بالمتوسط عن أربعي في المائة من إجمالي هذه الانبعاثات في عام 2009، بينما تجاوز 50% في بعض دول المجلس.

و يتفاقم هذا الأثر سبب أنماط الاستهلاك المسرف؛ إذ تستهلك الأسر والصناعات الخليجية، على حد سواء، كميات هائلة من الطاقة الكهربائية، و تظل البينة المبنية (المباني) مسئولة في معظم الحالات عن أكثر من 75% من الطلب الكلي على الكهرباء في كل دولة من دول المجلس. إن ما يساعد على إبقاء هذه الأنماط الساندة لاستهلاك الكهرباء هو الدعم الكبير الذي تقدمة الحكومات لأسعار الطاقة، الأمر الذي أدى إلى نمو الطلب بمعدلات مرتفعة و إلي ارتفاع في كثافة الطاقة في ببض الحالات. و في الوقت ذاته، تمثل هذه الإعانات الحكومية عبئاً مضاعفاً على ميزانيات دول المجلس: أولاً، لأنها تجعل فرص ترشيد استهلاك الطاقة أقل ربحية. و ثانيا، لأنها تؤثر سلبا في ميزانها التجاري؛ إذ كلما ازداد الاستهلاك المحلي للوقود الأحفوري في توليد الكهرباء، انخفضت كمياته المتوافرة للتصدير.

يناقش كل فصل من فصول الكتاب مجمل القضايا المتعلقة بأمن الطاقة وشح المياه وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون والبحث والتطوير، كما يناقش الدراسات ذات العلاقة وسبل نشر تقنيات الطاقة المتجددة محلياً.

علاوة على ذلك، تتلقى صناعة توليد الكهرباء الوقود بأسعار مدعومة في معظم الحالات، الأمر الذي يساهم في إبقاء تكلفة إنتاج الكهرباء التقليدية منخفضة بصورة مصطنعة؛ و هذه هي العقبة الأكبر أمام تطوير الطاقة المتجددة في منطقة المجلس. و طالما استمت هذا الوضع، فإن مشروعات الطاقة المستدامة، بما فيها مشروعات الطاقة المتجددة، ستظل غير مُجدية ماليا في دول المجلس، كما لن يؤثر أي ابتكار في العادات الساندة أو يتسبب في الانتقال إلى نظام جديد للطاقة. و بدلاً من ذلك، سيستمر هذا الدعم الحكومي في إبعاد العديد من القطاعات عن ال الممكنة لتقنيات الطاقة المتجددة مهما كانت مناسبة.

و أوضحت مؤلفة الكتاب أن هذا واقع مؤسف حقاً، خصوصا عندما نأخذ بعين الاعتبار الرصيد اللامحدود تقريباً من الطاقة الشمسية المتوافرة على مدار السنة في منطقة الخليج. فدول المجلس كافة تتمتع بموارد هائلة من الطاقة الشمسية. و تعد مستويات أشعة الشمس العامة أو المباشرة (في المنطقة مناسبة تماما لاستعمال التقنيات الشمسية الكهروضوئية (الفلطانية) أو الحرارية؛ ومن شأن استخدام تقنيات الطاقة الشمسية في المباني و نشرها في الأرياف النائية أو استعمالها في المنشآت الصناعية، أن يؤدي دوراً مهما في معالجة الطلب المتزايد على الكهرباء.

على سبيل المثال، يمكن اللجوء إلى دمج تقنيات توليد الحرارة بواسطة الطاقة الشمسية – مثل تقنيات تركيز قوة الطاقة الشمسية. مع الغاز الطبيعي في المنشآت التي تشمل وحدات توربينات(مؤلفة الدورة. ففي البلدان التي تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي المفتوحة، يعد مثل هذه المنشآت الهجينة حلاً أكثر استدامة لتوليد الطاقة الكهربائية: ذلك لأنه يمكن تغذية التوربينات البخارية بالبخار ذي درجة الحرارة المرتفعة الذي تولده تقنيات تركيز الطاقة الشمسية، الأمر الذي يقلص كمية الغاز الطبيعي اللازمة بالمقارنة مع المحطات التقليدية لتوليد الكهرباء، التي تعمل فقط بواسطة الغاز الطبيعي. و في الوقت ذاته يمكن حل مشكلة عدم ثبات الطاقة الشمسية من خلال الوحدات التي تعمل بالوقود الأحفوري.

بصفة عامة، لا يزال استخدام الطاقات المتجددة محدوداً في منطقة مجلس التعاون الخليجي لأن تكلفة توليد الكهرباء بواسطة مصادر الطاقة المتجددة في دول المجلس، لا تزال مرتفعة جدا بالمقارنة مع تكلفة إنتاجها بواسطة مصادر الطاقة الهيدرو كربونية. لكن توافر كميات هائلة من الطاقة الشمسية – و إلى حد ما، طاقة الرياح في بعض دول المجلس – إلى جانب توافر رأس المال و القدرة على الاستثمار في تقنيات الطاقة النظيفة و المتجددة، عوامل مهمة تتيح لدول المجلس فرصة حقيقية لكي تتحول إلي دول رائدة في مجال صناعات الطاقات المتجددة.

في الحقيقة، يبدو أن مبادرات البحث و التطوير علي المستوي الدولي و نقل التكنولوجيا عبر حقوق الملكية الفكرية هما العاملات الحاسمان – بالنسبة لدول المجلس – في إمكانية استغلال هذه الفرصة و تحقيق هذه الآفاق.

إذ إن دول المجلس لا تبدي أي إرادة سياسية حقيقية لتقليص الدعم الحكومي للطاقة في المستقبل المنظور، و بما أنها تركز اهتمامها في المرحلة الراهنة على التنمية الاجتماعية و الاقتصادية القريبة المدي، فلن تهتم هذه الدول إلا بالابتكارات التي توفر حلولاً أرخص و أكثر فاعلية لمشكلتي شح المياه و الطلب الهائل على الكهرباء، خصوصا.

في فصل الصيف غير أن ظهور مثل هذه الابتكارات و تمكينها من إبراز قيمتها، يتطلب إنشاء هياكل اقتصادية و مؤسساتية مناسبة. ففي ظل تنافسها مع الطاقة المدعومة حكومياً و المولدة بواسطة النفط و الغاز، سيظل نجاح تقنيات الطاقة المتجددة في دول المجس مرهوناً بعدى قدرة كل دولة من دول المجلس على إدخال سياسات داعمة لها، بما في ذلك تبين أهداف ملزمة و تقديم حوافز مالية و وضع أطر قانونية فعالة، لتشجيع انتشار هذه التقنيات و تخفيض تكاليفها.

و من خلال ل إعداد و نشر هذه الدراسة التي تبرز قضايا و آفاق الطاقة المتجددة في المنطقة، نأمل أن نساهم في توليد أفكار و نقاشات جيدة فالمعلومات الواردة هنا مستقاة من مصادر متنوعة و تم وضعها في سياق كل دولة بصورة منفردة لكي نلب الاحتياجات المعرفية للطيف الواسع من القراء ألمحتملي. و في هذا المعنى، نأمل أيضاً أن تكون المعرفة المكتسبة في هذا المجال و التعرف على خبرائه و مؤسساته مصدر إلهام لقرائنا لكي يؤسسوا شبكات جديدة و يساهموا بفاعلية، في تعزيز قدرات منطقة مجلس التعاون الخليجي.